الشيخ حسين الحلي
406
أصول الفقه
--> احتمال تحقّق المتناقضين ، أعني الترخيص في الفعل والالزام الفعلي بتركه على وجه لا ترخيص فيه ، فيؤول ذلك إلى احتمال اجتماع الترخيص وعدمه ، وهذا هو الحجر الأساسي في وجوب الموافقة القطعية وأنّها تساوي حرمة المخالفة القطعية بالنسبة إلى أطراف العلم الاجمالي ، وذلك موجب لسقوط الأُصول المرخّصة بجميع أنواعها في أطراف العلم الاجمالي . أمّا الأُصول الملزمة مثل استصحاب النجاسة ، كما في استصحاب النجاسة في كلّ من الإناءين المسبوقين بالعلم بالنجاسة مع حصول اليقين بطروّ الطهارة على أحدهما ، فبناءً على مسلك شيخنا قدس سره [ راجع فوائد الأُصول 4 : 14 ] من عدم إمكان الجمع بينهما ، لعدم إمكان الجمع بين الاحرازين مع العلم بكون أحدهما خلاف الواقع ، لا يمكننا إجراء ما عرفت من توجيه إسقاط الأصلين بدون توسّط التعارض من فعلية الحكم واستحقاق العقاب على مخالفته ، لكن يكفينا العلم بتحقّق الطهارة الفعلية لو كانت منطبقة على هذا الطرف ، وحينئذٍ يكون الحكم بنجاسته استناداً إلى الاستصحاب مؤدّياً إلى احتمال اجتماع النقيضين ، وهما النجاسة والطهارة الفعلية ، فيكون البرهان على سقوط الأصل في الموارد المذكورة بناءً على مسلكه قدس سره من عدم إمكان الجمع ، هو عين البرهان على سقوطه في مورد كون الجمع بين الأصلين موجباً للمخالفة القطعية ، فلاحظ وتدبّر . لا يقال : إنّ احتمال اجتماع النقيضين فيما نحن فيه من أطراف العلم الاجمالي ليس إلّا كاحتماله في الشبهات البدوية . لأنّا نقول : نعم ولكن في أطراف العلم الاجمالي يكون الحكم على تقديره فعلياً ، على وجه لو كان وجوبياً أو تحريمياً لكانت مخالفته موجبة لاستحقاق العقاب لو كان موجوداً ، والسرّ فيه ما سيأتي شرحه [ في الحاشية اللاحقة ] فيما يتعلّق بما ننقله عن الأُستاذ العراقي قدس سره من كون العلم الاجمالي علّة في تنجّزه ، والعلم وإن لم يسر إلى ما في الخارج ، إلّا أنّ المعلوم المنجّز يسري إلى الخارج ، ومعه لا يكون قابلًا للترخيص فيه أو الحكم الفعلي بخلافه إلّا بدليل خاصّ يكون كاشفاً عن جعل البدل في الطرف الآخر ، ولا يكفي فيه مجرّد عمومات الأُصول الترخيصية كما سيأتي توضيحه إن شاء اللَّه تعالى . وإن شئت فافرض آنية صغرى تحتمل أنّها خمر بالشبهة البدوية وآنية كبرى معلومة الخمرية تفصيلًا ، وهناك آنيتان يعلم إجمالًا بخمرية إحداهما ، فهل ترى من وجدانك أنّ حال الخمر في الأخيرتين حال [ الخمر ] في الأُولى ، أو أنّه حال الخمر في الثانية ، فإن كان الأوّل كان محصّله أنّ العلم الاجمالي لا يكون مؤثّراً أصلًا ، وإن كان الثاني كان محصّله أنّ الخمر الموجود بين الاثنين حاله في المنع وعدم الترخيص واستحقاق العقاب حال الخمر المعلوم تفصيلًا ، ولازمه أنّ ترك ذلك الخمر الموجود لازم فعلًا ، وأنّه غير مرخّص في شربه أصلًا ، فيكون شربه موجباً للعقاب بأيّ طرف كان ، وذلك عبارة أُخرى عن لزوم الموافقة القطعية ، فالعقل إن حرّم المخالفة فقد أوجب الموافقة ، ولا يمكنه التفكيك بينهما . وأمّا قولهم إنّه يحرّم المخالفة القطعية ولا يوجب الموافقة القطعية ، فالظاهر أنّه لا محصّل له إلّا أنّه يحرّم القطع بالمخالفة ولا يوجب القطع بالموافقة ، ومن الواضح أنّ نفس القطع في المقام لا يوجبه العقل ولا يحرّمه . نعم ربما ألزمنا العقل بتحصيل اليقين بالفراغ عند الشكّ في الامتثال بعد فرض العلم بالاشتغال ، ولكن ذلك عبارة أُخرى عن التحذير عن المخالفة التي حرّمها والحثّ على الموافقة التي أوجبها . نعم يمكن أن يقال : إنّ مرادهم هو أنّه لا ريب في حرمة المخالفة ، وإنّما الإشكال في كون المقام من قبيل لزوم الفراغ اليقيني أو أنّه يكفي الفراغ الاحتمالي ، والمختار الأوّل كما عرفت برهانه [ منه قدس سره ] .